الشنقيطي

17

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

نقر في الأرحام ، ولم يعطف على قوله لِنُبَيِّنَ لَكُمْ لأنه ليس علة لما قبله ، فليس المراد : خلقناكم من تراب ، ثم من نطفة ، لنقر في الأرحام ما نشاء ، وبذلك يظهر لك رفعه ، وعدم نصبه ، وقراءة من قرأ : ونقر بالنصب عطفا على : لنبين ، على المعنى الذي نفيناه على قراءة الرفع ، ويؤيد معنى قراءة النصب قوله بعده ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا أي وذلك بعد أن يخلق اللّه المضغة عظاما ، ثم يكسو العظام لحما ، ثم ينشئ ذلك الجنين خلقا آخر ، فيخرجه من بطن أمه في الوقت المعين لوضعه في حال كونه طفلا : أي ولدا بشرا سويا . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ أي لتبلغوا كمال قوتكم ، وعقلكم ، وتمييزكم بعد إخراجكم من بطون أمهاتكم في غاية الضعف وعدم علم شيء . وقد قدمنا أقوال العلماء في المراد بالأشد ، وهل هو جمع أو مفرد مع بعض الشواهد العربية في سورة الأنعام ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . وقوله تعالى في هذه الآية وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى أي ومنكم أيها الناس من يتوفى من قبل : أي من قبل بلوغه أشده ، ومنكم من ينسأ له في أجله ، فيعمر حتى يهرم فيرد من بعد شبابه وبلوغه غاية أشده إلى أرذل العمر ، وهو الهرم ، حتى يعود كهيئته في حال صباه من الضعف ، وعدم العلم . وقد أوضحنا كلام العلماء في أرذل العمر ومعنى لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً في سورة النحل ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . وهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من الاستدلال على كمال قدرته ، على بعث الناس بعد الموت ، وعلى كل شيء ينقله الإنسان من طور إلى طور ، من تراب ، ثم من نطفة ، ثم من علقة إلى آخر الأطوار المذكورة ، ذكره جل وعلا في مواضع من كتابه مبينا أنه من البراهين القطعية على قدرته ، على البعث وغيره . فمن الآيات التي ذكر فيها ذلك من غير تفصيل لتلك الأطوار قوله تعالى كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ( 39 ) [ المعارج : 39 ] وقوله تعالى ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ( 13 ) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ( 14 ) [ نوح : 13 - 14 ] أي طورا بعد طور كما بينا قوله تعالى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( 6 ) [ الزمر : 6 ] وقوله في آية الزمر هذه في ظلمات ثلاث : أي ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة . فقد ركب تعالى عظام الإنسان بعضها ببعض وكساها اللحم ، وجعل فيها العروق والعصب ، وفتح مجاري البول والغائط ، وفتح العيون والآذان والأفواه وفرق الأصابع وشد رؤوسها بالأظفار إلى غير ذلك من غرائب صنعه ، وعجائبه ، وكل هذا في تلك الظلمات الثلاث ، لم يحتج